هل أنا مسجون هنا؟ – الجزء الاول

102
shares
شارك على فيسبوك
شارك على تويتر
شارك على لينكدإن
+
What's This?

“فقاعة السوشيال ميديا” AKA “فقاعة فيسبوك”

 

أستيقظ كل صباح في الثامنة، أغلق منبه هاتفي، وأفتح ال 3G، أتوجه للحمام، أغتسل سريعًا، لأمنح هاتفي متسع من الوقت لتلقي كل الإشعارات التي فوتها في ساعات نومي القلق، أرتدي ملابسي غير المهندمة، بالطبع لم يكن هناك وقت للكي، أركب سيارتي أو سيارة العمل أو المواصلات، أيا يكن.. وفمي لم يرتشف الماء بعد، وعيني لم تلتقط النور بعد.. ولكنها تلتقط كل إشعارات فيسبوك وتقوم بعمل فلترة سريعة لها، تجهيز ردود لبعضها، إبداء الإعجاب بالبعض، وتجاهل البعض الآخر.. تنتهي الإشعارات.. يأتي وقت الانشغال الحقيقي “newsfeed scroll down” طالما في إصبعي نبض.. سيظل يسحب الشاشة لأعلى، فما فاتني كثير! وحين أصل لأول “بوست” كنت قد توقفت عنده قبل النوم، يصيبني الضيق، فأقوم بعمل “ريفريش” للصفحة ليظهر لي بعضًا مما خفي عني.

أصل لعملي ولم ألحظ من ملامح الطريق أي شيء . ثم تتكرر هذه الحلقة في العمل، بالكاد أذكر ما أنجزته من مهام. ثم في جلسة السمر مع الأصدقاء التي ننسى فيها من قال ماذا، لأن قدرتنا على الاستماع ونحن ننظر في هواتفنا لم يتم تطويرها بعد وتحتاج لملايين السنين.

وبالطبع عند الذهاب للسرير آخر اليوم، حيث لابد من مرحلة ما تتوسط بين نومك على السرير والغفو اسمها آخر خمس دقائق على فيسبوك، لعل يحدث شيئًا مهمًا الآن وأفوته، والتي بالطبع تمتد لنصف ساعة على الأقل.

بتغيير بعض التفاصيل البسيطة في الحكاية السابقة، ووضع نفسك مكاني، ستجدها ملائمة ليومياتك! فهل نحن مسجونون هنا؟!

يبدو ذلك جليًا !

من كل ثلاث دقائق على الانترنت هناك دقيقة كاملة يقضيها الناس على مواقع السوشيال ميديا

متوسط عدد الأصدقاء على فيسبوك للشخص الواحد هو 200 صديق

متوسط الزيارة الواحدة لفيسبوك تستغرق 18 دقيقة

48% من الفئة العمرية 18-34 يقوموا بزيارة فيسبوك قبل النوم في إجراء روتيني

28% من نفس الفئة يقوموا بزيارة فيسبوك قبل حتى أن يتركوا فراشهم في صباح يوم جديد.

دعك من هذه الأرقام، فهي لا تعبر عن أي شيء، فنحن هنا نتواصل، ونزداد قربًا. أتعتقد ذلك؟! هذا ما يتبادر لذهني أيضًا، كأكذوبة مريحة تسبق انضمامنا جميعًا لعائلة البطاريق.

 

تكيف طائر البطريق

 

قبل ملايين السنين تحول طائر البطريق من كائن يستطيع التحليق في الجو والطيران إلى ما نراه الآن، وعبر هذه السنوات تغيرت حواسه وتكوينه الجسماني ليناسب البيئة الباردة التي حتمت عليه هذا التغيير، ليكن قادرًا على البقاء والنجاة. ويبدو أن ما حدث للبطاريق على العكس مما نتصور، كان أمر جيد ليستطيع العيش كما يقول الكثير من العلماء، فتكيفه على البيئة الجديدة أنقذه من الانقراض.

في المقابل هل البيئة التي نحيا فيها اليوم تحتم علينا أن نكون البطاريق الجدد، هل من الضروري أن نفقد الكثير من حواس التواصل الاجتماعي، وإدراكنا للأجسام وللمواد، ولغة الجسد، والتواصل بالأعين، من أجل تواصل أكثر عبر الشاشات؟! هل هذا هو المستقبل؟

صديقي ذو العشرون ربيعًا يأخذني لزيارة منزل صديقة لنا، زاره من قبل أكثر من 10 مرات، ولا يزال لا يعرف الطريق، إلا من خلال ال GPS

صديقة أخرى، كل مرة تعود لمنزلها بالتاكسي، تهاتف أمها أولًا لتعرف كيف ستبلغ سائق التاكسي العنوان، وينتهي بها الأمر وهي تتلقى موقع البيت على تطبيق واتساب ليتبعه السائق، صديقتي تسكن في هذا البيت الجديد منذ ثلاث سنوات!

ولكن، ما السيء في هذا الأمر، لقد عشنا عمرًا كامل نشتكي من أنظمة تعليمية تطلب منا حفظ معادلات ونظريات كاملة وليس فهمها، قنوات السوشيال ميديا هنا ما هي إلا وسيلة لتسهيل حياتنا، فليس المطلوب منا حفظ كل العناوين والأرقام، وتفاصيل أخرى كثيرة، طالما هناك من يساعدنا ويحمل عنا عبء ذلك!!

الموضوع أعقد من ذلك بكثير، فتدريجيا سنضعف الذاكرة بعدم استعمالها، ونضعف مشاعرنا بإهدارها في محادثات طرفها الآخر شاشة هاتف، ومن قلة استخدام حواسنا، ربما نصبح نحن البطاريق الجدد. ولكن لماذا؟ لنتكيف على العيش في الأرض والبيئة الخاطئة؟!

هل أبدو مبالغًا قليلاً؟! المقطع القادم  بشكل غير مقصود يقدم ملمح ودليل لما نحن مقبلين عليه..

ففي حوار وول ستريت جورنال مع كيفن سيستروم CEO انستجرام، وهو يتحدث عن خاصية Stories التي أطلقوها حديثًا، واعترافه بروعة تطبيق سناب شات في الحفاظ واستهداف المزيد من فئة المراهقين، الفئة z، وأن الخاصية الجديدة في انستجرام هي بشكل أو بأخر محاولة لنسخ وتقليد سناب شات ليحاولوا اللحاق بالركب وليحوزوا على إعجاب فئات المراهقين، الذين من الصعب الحفاظ عليهم في انستجرام فحسب إحصائيات انستجرام التي تحصلت عليها وول ستريت جورنال بشكل ما، أكثر من نصف هذه الفئة العمرية على انستجرام يقومون بحذف صورهم ومشاركاتهم إذا لم يتلقوا نسبة الإعجابات والتعليقات التي ترضيهم.

نحن لم نعد نتعامل مع السوشيال ميديا كأدوات مساعدة لتبدو الحياة أفضل ولو قليلًا. فهذه الحقيقة المفزعة وحقائق أخرى كثيرة، تقول بوضوح أن السوشيال ميديا لم تعد أدوات مساعدة للعيش وللحياة، بل صارت هي الحياة نفسها! ولكنها حياة فيها البشر مكشوفين ومفضوحين بشكل أكثر من اللازم، ومعرضين للقلق المرضي، وعدم الثقة بالنفس، ولتغير المزاج بسبب إعجاب هنا أو تعليق هناك.

تختلف معي صديقتي في الرأي، وتقول أنها تعرفت على الكثير من الأصدقاء الذين يشاركونها نفس الاهتمامات والأنشطة عبر السوشيال ميديا،  وهذا ما يساعدها في تمضية الوقت، ولكنها تعود وتشتكي أنها تمر بلحظات من الأرق كل ليلة لأنها لا تعرف لمن تشكو همها، فهي تعاني من الوحدة.

نحن لا نختبر حياة حقيقة، صرنا نتحدث مع أهلنا أقل، ونستمع لهم بنصف أذن، ونجلس على المقاهي نتندر على ما فعله س أو ص على حسابه الشخصي على السوشيال ميديا، أو على الترند الذي يملأ جنبات فيسبوك الليلة، في الأغلب والأعم نحن لا نعرف الأسماء الثلاثية لأصدقائنا المقربين والذين نجلس معهم على طاولة واحدة. نحن نصنع دوائر مزيفة، لتحمينا من اكتشاف أنفسنا وطاقتنا وقدراتنا واختبار أفكار جديدة ورؤى وقناعات مختلفة، وأن نحيا الحياة. نحن نصنع هذه الدوائر لنغرق فيها. هناك أكثر من 7 مليون تطبيق وموقع، يطلب منك للدخول إليه ربط حسابك بفيسبوك كأحد وسائل تسجيل الدخول.

 

 

يبدو أننا محاصرون، وأكثر من ذلك، يبدو أن هناك فقاعة أسوء داخل فقاعة  فيسبوك ستبتلعنا قريبًا.

شارك على فيسبوك
شارك على تويتر
شارك على لينكدإن
+