هل أنا مسجون هنا الجزء الثاني

شارك على فيسبوك
شارك على تويتر
شارك على لينكدإن
+

سارة و Filter Bubble

السوشيال ميديا تحاصرنا كما يبدو إذا قرأت الجزء الأول من هذا المقال

فما هي أدوات هذا الحصار، وكم سجن داخل السجن الكبير Facebook تمنعنا جدرانه عن الحياة، عن الحقيقة، عن أنفسنا؟! أو بالأحرى كم فقاعة من الممكن أن تتواجد داخل الفقاعة الأم؟ واحدة؟! اثنتين؟! ثلاثة…

ربما أكثر من ذلك بكثير

فلنبدأ مع سارة  وفقاعة الفلترة – Filter bubble

سارة سوف تبلغ عامها الواحد والعشرون هذا الشهر، تحب الشعر العربي، والأفلام الرومانسية، تهتم بالموضة والرشاقة، مهووسة بتشجيع نادي الزمالك، تحب الورود، وتتمنى السفر لكثير من بلدان أوروبا، ورغم صغر سنها فقد اكتسبت الكثير من الصداقات عبر السوشيال ميديا بسبب الصفحات التي تداوم على متابعاتها والتعليق فيها والتي بلغ عددها 700 صفحة، وسمحت لها بتكوين 400 صداقة على فيسبوك، هذا رقم يضمن لها الإطلاع على العالم بمنظار أوسع، ومعرفة الكثير من الأراء ووجهات النظر المختلفة عن كل ما يحدث حولها في البلاد.

ولكن على العكس من ذلك! سارة لا يصادفها حين تتصفح Facebook news feed  إلا أزهار وورود وصور لبودابست وبرشلونة وفينيسيا وأمستردام، ومقاطع gifs مقتطعة من أفلام تحبها أو شبيهة بها، وقصائد شعر لشعراءها المفضلين، وأخبار نادي الزمالك وكل ما يتعلق بلاعبيه.

يبدو أن 400 صديق و700 صفحة لم تكن كافية لتشاهد سارة الجانب الآخر من العالم من منظارها عبر فيسبوك!

“هناك نظرية تدورفي أرجاء السوشيال ميديا تدعى Filter Bubble وتقول النظرية ببساطة أن الناس عادة على السوشيال ميديا يعجبون ويتابعون صفحات وأناس أخرين يقوموا بنشر نفس اهتماماتهم، فيحصارون في دائرة مفرغة من التعزيز الذاتي، فكل ما يرونه هو المزيد من الأراء التي تدعم نفس أراءهم، في حين أن الأراء المخالفة لهم يتم فلترتها أولا بأول دون أن تظهر لهم”.

هذا المقطع مترجم نقلًا عن بيزنيس انسايدر

ولكن، مارك زوكيربرج لا يشاطرنا نفس الرأي، فحين سئل تحديدًا عما إذا كان فيسبوك يعزز من هذه الظاهرة.. أجاب بالنفي بل وقال “أن دراستهم الأخيرة تؤكد أن فيسبوك وسوشيال ميديا عمومًا أكثر تنوعًا من كل قنوات الإعلام التقليدية القديمة، فحين يشتري أحدهم جريدة ما أو يتابع قناة تليفزيونية معينة، فهو يكون واقعًا تحت التأثير الكامل لتوجه هذه الجريدة أو القناة السياسي والاجتماعي، في كل مقال وكل برنامج فلا يصلك إلا نفس وجهة النظر طوال الوقت، أما على فيسبوك فلو افترضنا أن للواحد بضعة مئات من الأصدقاء، يشاركونه نفس الاهتمامات ووجهات النظر في الحياة، فعلى أقل تقدير هناك نسبة من 5% إلى 15% منهم سيكون لهم وجهات نظر مختلفة في بعض الأمور عنك، وهذا ما سيجعل هذه الأراء المغايرة لك تظهر على Facebook news feed الخاص بك”.

إلى هنا انتهى الاقتباس من كلام مارك الذي أثار نقطتين مهمتين..

الأولى، والتي لا يعقل إلا أن نتفق معه فيها، أن قنوات التواصل الاجتماعي بالتأكيد تمتاز بالتنوع والاختلاف إذا ما قورنت بكل القنوات الإعلامية التقليدية القديمة مثل الجرائد والراديو والتليفزيون الذين يكون لهم خط تحريري ثابت.

الثانية، ألا وهي أن هناك نسبة تقدر من 5% إلى 15% حسب دراسة فيسبوك النصف سنوية الأخيرة من أصدقائك على فيسبوك لهم أراء مختلفة عنك مما يعني أن هذه الأراء ستصلك وتراها وتتفاعل معها.

إذن لماذا تبدو سارة محاصرة في هذه الدائرة المليئة بالمزيد من سارة، ولا أحد آخر.

مر Algorithm فيسبوك بمراحل عديدة حتى وصل إلى التطور الحالي، الذي مكنه من الاهتمام بك واحتوائك بأكبر شكل ممكن، فصار يفهمك أكثر من أقرب المقربين لك، ويزيد من المحتوى الذي تهتم به، وتعجب به، وينال رضاك. فترتاح عنده وتطيل جلستك على طاولاته.

ألا يذكرك هذا ولو من بعيد بفيلم The Truman Show ، بالطبع سيقوم مارك هنا بدور “كريستوف” في الفيلم وتقوم سارة -أو نحن جميعًا-
بدور “ترومان” ذاته، وبدور المشاهدين في ذات الوقت!

image001

يعيش ترومان حياة تقليدية بائسة، لا جديد فيها إلا بعض البهارات التي تأتي في هيئة “Trend” يخلقه كريستوف كل فترة، ليشعره بالإثارة ولخلق توتر وحركة حقيقية تجذب انتباه المتابعين، سرعان ما تخفت.. ولا تترك فيه أثرًا، ليعود لممارسة نشاطه اليومي باعتيادية.

ولكن هل مارك هو الملام الوحيد هنا.. بأن خلق حولنا دائرة من أشباهنا؟

في الفيلم، الظروف كانت أكبر من ترومان والخدعة شديدة الإحكام، يشترك فيها أبوه وحبيبته وكل من عرفه يومًا، منذ ولادته، ولكن هل نحن مسلوبي الإرادة إلى هذا الحد؟! وهل مارك هو كريستوف هذا الفيلم الذي نعيشه.

بالتأكيد مارك ليس هذا الشيطان، له رغبات؟ بالتأكيد. هو يريد الاحتفاظ بك على موقعه لأطول وقت ممكن، ليجلب المعلنين، لتزيد الأرباح، ومن أجل ذلك سيبذل كل ما في وسعه، ولكن أين ما في وسعنا نحن؟!

الملام الأكبر هنا هو أنا وأنت وسارة، فسارة اختارت بملء إراداتها أن تتجاهل بوست يتحدث عن موضوع تعارضه دون أن تشتبك معه أو تناقشه. تجاهلت تلك الصورة لأحدهم، وهذا التعليق من آخر، وجهات نظر تتطاير أمام أعينها دون أن تلقي لها بالًا. ومرة تلو مرة حتى أخذ فيسبوك بيد سارة بعيدًا عن كل ما يزعجها على Timeline، إلى أن استيقظت فجأة لتجد أنها كل يوم تدور في نفس الدائرة وترى نفس الوجوه، وتعيش نفس التفاصيل، إلا إذا حضر ال “Trend” الذي يشغل يومها ويجعله مختلفًا، قبل أن تعود لنفس الدائرة المفرغة من نفس الأفكار ووجهات النظر.

وحين تحاول سارة الفكاك من هذا الحصار، يكون القيد الذي تملك منها أكبر من أن تمحيه بسهولة، فماذا تفعل؟!

“هل المطلوب أن نغلق فيسبوك ونعود للعصر الحجري؟” على حد قول صديقي.

ليس هذا هو المطلوب، ربما.. ربما علينا المحاولة! ولكن الأكيد أن علينا المحاولة أكثر في البحث عن الحياة، وعن أنفسنا وأرواحنا التي قد تبتلعها فقاعات ألعن وأسوء من فقاعة الفلترة، فرغم كل ما سبق قد لا تكون هذه الفقاعة أكبر همنا داخل فقاعة فيسبوك، ففي النهاية “هذا سجن يختاره أغلبنا بإرادة وبعض الوعي من منطلق (ترييح الدماغ) فقد عاصرنا متناقضات بما فيه الكفاية” على حد قول صديق آخر. لكن هناك فقاعات أخرى داخل فيسبوك تشبك خيوطها حولنا، تلتف حول أعناقنا.. ننسلخ فيها من هويتنا الحقيقة. فكم عمر سيلزمنا لاكتشاف الحقيقة واستنشاق الحياة مثل ترومان.

image002

شارك على فيسبوك
شارك على تويتر
شارك على لينكدإن
+